صَلواتٌ في هيكل الحبِّ – أبو القاسم الشابّي
تُعَدّ هذه القصيدة درة ديوان الشابي، وكتبت عام 1913، وهي ذات نفس شعري طويل. يمزج فيها الشابي بين الحبيبة والطبيعة، ويقدم أوصافاً للجمال مستمدة من عناصر الطبيعة. فتتحول الحبيبة إلى زهرة، والزهرة إلى حبيبة. وهذه القصيدة، مع قصيدة أغاني الحياة، هما القصيدتان اللتان قدمتا الشابي لمثقفي وأدباء العالم العربي. وقصيدة هيكل الحب، على طولها، ذات وحدة موضوعية، وصور مترابطة جميلة ومبتكرة.
يقول الشابي يصف حبيبته إنها صبية رقيقة، فيها براءة الأطفال، وعمق الأحلام ،وسحر الأنغام. ونورها أجمل من إشراقة الشمس في بداية الصباح. وإن إشراقة السماء كلها في ضحكتها، وجمال البدر في الليلة الظلماء كله في وجهها، وروعة الأزاهير الحمراء من خدودها، وضحكة الطفل الصغير. ما أروعها على مبسمها. وما أجملها إنها جذابة وساحرة الجمال بنعومتها ونضارتها. ما أعظم سموها ونقاءها.
ثم يقول إنها بسحرها تجعل الأشقياء يبدون رهبانا في محراب الحب.ما أرقها إنها تنبت ورود الحياة من قلب الصخرة الجامدة. هل هي إلهة الجمال نزلت تنشر الحب بين الناس مرة أخرى.نزلت لتعيد للناس التعساء بهجتهم ونبضهم بالحياة المفعمة بالحب.
ثم يبين حال نفسه أنهكلما نظر إلى مشيتها الموزونة المنتظمة كلحن موسيقي جميل؛نبض فؤاده بالحياة ونبتت أزاهير الفرح في صفحات أيامه التعيسة ومسحت الكآبة والألم المعششين فيه وراحت نفسه تغني طربة على إيقاع حبها.لقد أعدت النور لكل البقع المظلمة في عالم الروح وجددت له أيام شبابه وحبه.
ثم يعبر عنها بأنها رقيقةٌ، بريئةٌ، حلمةٌ، مشرقةٌ، تسمع في وقعها لحن الحياة ، منيرة الطلعة. توجد دائماً متبسمةً في وجه الناظر إليها كابتسامة الطفل المولود. آه ما أجملها من صبيةٍ ناعمة جميلة ورقيقة. وما أنقاها من فتاة توحي في نفس الناظر إليها كل تقى مهما كان فظاً قاسياً. وما أرقّها فهي تكاد أن تنبت الزهر في الصخور الصلدة القاسية. وعندما ينظر إليها أحد سيرى فيها إلهة الجمال عادت ثانيةً تخطر بين الناس لترد إلى العالم الشقي النضارة والبهجة والشباب.
وفي النهاية يقول إنه كلما نظر إليها عندما تخط بخطوات منعمة كالأغنية الملحنة بأجمل الألحان رف فؤاده للحياة من جديد كذلك تنتعش أزهار عمره بعد أن أقفرت و ذبلت. كذلك تنتعش نفسه الحزينة اليائسة و تعود إليها مشاعر الحب فتغنيها بأجمل الألحان. إنها تعيد إلى قلبه الحياة و ما كان قد فقده في ماضي الجميل البهيج كما أنها تبني قصوراً عامرةً.
صلوات في هيكل الحب
عذبةٌ أنتِ كالطفولة كالأحلام كاللحنِ كالصباحِ الجديدِ كالسماء الضحوكِ كالليلةِ القمراءِ كالوردِ كابتسامِ الوليدِ يا لها من وداعـةٍ وجَمالٍ وشبابٍ منعّمٍ أملودِ يا لَهَا من طهارةٍ تبعثُ التقديسَ في مهجة الشقيّ العنيد |
يا لها من رقّةٍ تكاد يرفّ الوردُ منها في الصخرة الجلمود أيّ شيء تراك هل أنت فينيس تَهادت بين الورى من جديد لتعيد الشبابَ والفرحَ المعسـولَ للعالَمِ التعيس العميـد أم ملاك الفردوس جاء إلى الأرضِ ليحيي روح السلام العهيد |
أنتِ .. ما أنتِ ؟ رسمٌ جَميلٌ عبقريٌّ من فنّ هذا الوجود فيك ما فيه من غموضٍ وعمقٍ وجمالٍ مقدّسٍ معبود أنتِ ما أنتِ؟ أنت فجرٌ من السحر تَجلّى لقلبِي المعمود فأراه الحياةَ في مونق الحُسن وجلّى له خفايا الخلود |
أنت روح الربيع تختال في الدنيا فتهتز رائعاتُ الورود تهب الحياة سكرى من العطر ويدوّي الوجود بالتغريد كلما أبصرتك عيناي تَمشين بخطو موقّع كالنشيد خفق القلبُ للحياة ورفّ الزهرُ في حقل عمري الْمجرود |
وانتشت روحي الكئيبة بالحبّ وغنّت كالبلبلِ الغرّيد أنت تحيين في فؤادي ما قد مات في أمسي السعيد الفقيد وتشيدين في خرائب روحي ما تلاشى في عهدي الْمجدود من طموحٍ إلى الجمالِ إلى الفنِّ إلى ذلك الفضاءِ البعيد |
وتبثين رقّة الأشواق والأحلام والشدو والهوى في نشيدي بعد أن عانقت كآبة أيامي فؤادي وألْجمت تغريدي أنت أنشودة الأناشيد غنّاك إلهُ الغناء ربّ القصيد فيك شبّ الشباب وشّحَهُ السحرُ وشدو الهوى وعطر الورود |
وتبثين رقّة الأشواق والأحلام والشدو والهوى في نشيدي بعد أن عانقت كآبة أيامي فؤادي وألجمت تغريدي أنت أنشودة الأناشيد غنّاك إلهُ الغناء ربّ القصيد فيك شبّ الشباب وشّحَهُ السحرُ وشدو الهوى وعطر الورود |
وقوام يكاد ينطق بالألحان في كل وقفة وقعود كل شيء موقع فيك حتى لفتة الجيد واهتزاز النهود أنت..أنت الحياة في قدسها السامي وفي سحرها الشجيّ الفريد أنت.. أنت الحياة في رقة الفجرِ وفي رونق الربيع الوليد |
أنت .. أنت الحياة كل أوان في رواء من الشباب جديد أنت.. أنت الحياة فيكِ وفي عينيك آيات سحرها الممدود أنت دنيا الأناشيد والأحلام والسحر والخيال المديد أنت فوق الخيال والشعر والفن وفوق النهى وفوق الحدود |
أنت قدسي ومعبدي وصباحي وربيعي ونشوتي وخلودي يا ابنة النور إنني أنا وحدي من رأى فيك روعك المعبود فدعيني أعيش في ظلك العذب وفي قرب حُسنك المشهود عيشة للجمال والفن والإلهام والطهر والسنَى والسجود |
عيشة الناسك البتول يناجي الرب في نشوة الذهول الشديد وامنحيني السلام والفرح الروحي يا ضوء فجري المنشود وارحميني فقد تَهدمت في كون من اليأس والظلام مشيد أنقذيني من الأسى فلقد أمسيت لا أستطيع حَمل وجودي |
في شعب الزمان والموت أمشي تحت عبء الحياة جم القيود وأماشي الورى ونفسي كالقبر وقلبي كالعالم المهدود ظلمة ما لَها ختام وهول شائع في سكونِها الممدود وإذا ما استخفى عبث الناس تبسمت في أسى وجُمود |
بسمة مرة كأني أستلّ من الشوك ذابلات الورود وانفخي في مشاعري مرح الدنيا وشدّي من عزمي المجهود وابعثي في دمي الحرارة علّي أتغنى مع المنَى من جديد وأبثّ الوجود أنغام قلب بلبليّ مكبلٍ بالحديد |
فالصباح الجميل ينعش بالدفء حياة المحطم المكدود أنقذيني فقد سئمت ظلامي أنقذيني فقد مللت ركودي آه يا زهرتي الجميلة لو تدرين ما جدّ في فؤادي الموحود في فؤادي الغريب تُخلق أكوانٌ من السحر ذات حسن فريد |
وشُمُوس وضاءة ونجوم تنثر النـور في فضاء مديد وربيع كأنه حلم الشاعر في سكرة الشباب السعيد ورياض لا تعرف الحلك الداجي ولا ثورة الخريف العتيد وطيـور سحرية تتناغى بأناشيد حلـوة التغريد |
وقصور كأنها الشفق المخضوب أو طلعة الصباح الوليد وغيوم رقيقة تتهادى كأباديد من نُثـار الورود وحياة شعرية هي عندي صورة من حياة أهل الخلود كل هذا يشيده سحر عينيك وإلهام حسنك المعبود |
وحرام عليك أن تهدمي ما شاده الحسن في الفؤاد العميد وحرام عليك أن تسحقي آمال نفس تصبو لعيش رغيد منك ترجو سعادة لم تجدها في حياة الورى وسحر الوجود فالإله العظيم لا يرجم العبد إذا كان في جلال السجود |

No comments:
Post a Comment