قصيدة
البردة للبوصيري
الفصل
الثالث: في مدح سيد المرسلين
ظَلَمْتُ
سُنَّةَ مَنْ أَحْيَا الظَّلاَمَ إِلىَ أَنْ
اشْتَكَتْ قَدَمَاهُ الضُّرَّ مِنْ وَرَمِ
وَشَدَّ
مِنْ سَغَبٍ أَحْشَاءَهُ وَطَوَى تَحْتَ
الحِجَارَةِ كَشْحًا مُتْرَفَ الأَدَمِ
وَرَاوَدَتْهُ
الجِبَالُ الشُّمُّ مِنْ ذَهَبٍ عَنْ
نَفْسِهِ فَأَرَاهَا أَيَّمَا شَمَمِ
وَأَكَّدَتْ
زُهْدَهُ فِيهَا ضَرُورَتُهُ إِنَّ
الضَرُورَةَ لاَ تَعْدُو عَلىَ العِصَمِ
وَكَيْفَ
تَدْعُو إِلىَ الدُّنْيَا ضَرُورَةُ مَنْ لَوْلاَهُ
لَمْ تُخْرَجِ الدُّنْيَا مِنَ العَدَمِ
مُحَمَّدٌ
سَيِّدُ الكَوْنَيْنِ وَالثَّقَلَيْـ ـنِ
وِالفَرِيقَيْنِ مِنْ عُرْبٍ وَمِنْ عَجَمِ
نَبِيُّنَا
الآمِرُ النَّاهِي فَلاَ أَحَدٌ أَبَرَّ
فيِ قَوْلِ لاَ مِنْهُ وَلاَ نَعَمِ
هُوَ
الحَبِيبُ الذِّي تُرْجَى شَفَاعَتُهُ لِكُلِّ
هَوْلٍ مِنَ الأَهْوَالِ مُقْتَحِمِ
دَعَا
إِلىَ اللهِ فَالْمُسْتَمْسِكُونَ بِهِ مُسْتَمْسِكُونَ
بِحَبْلٍ غَيْرِ مُنْفَصِمِ
فَاقَ
النَبِيّينَ فيِ خَلْقٍ وَفيِ خُلُقٍ وَلَمْ
يُدَانُوهُ فيِ عِلْمٍ وَلاَ كَرَمِ
وَكُلُّهُمْ
مِنْ رَسُولِ اللهِ مُلْتَمِسٌ غَرْفًا
مِنَ البَحْرِ أَوْ رَشْفًا مِنَ الدِّيَمِ
وَوَاقِفُونَ
لَدَيْهِ عِنْدَ حَدِّهِمِ مِنْ
نُقْطَةِ العِلِمِ أَوْ مِنْ شَكْلَةِ الحِكَمِ
فَهْوَ
الذِّي تَمَّ مَعْنَاهُ وَصُورَتُهُ ثُمَّ
اصْطَفَاهُ حَبِيبًا بَارِئُ النَّسَمِ
مُنَزَّهٌ
عَنْ شَرِيكٍ فيِ مَحَاسِنِهِ فَجَوْهَرُ
الحُسْنِ فِيِهِ غَيْرُ مُنْقَسِمِ
دَعْ
مَا ادَّعَتْهُ النَّصَارَى فيِ نَبِيِّهِمِ وَاحْكُمْ
بِمَا شِئْتَ مَدْحًا فِيهِ وَاحْتَكِمِ
وَانْسُبْ
إِلىَ ذَاتِهِ مَا شِئْتَ مِنْ شَرَفٍ وَانْسُبْ
إِلىَ قَدْرُهُ مَا شِئْتَ مِنْ عِظَمِ
فَإِنَّ
فَضْلَ رَسُولِ اللهِ لَيْسَ لَهُ حَدٌّ فَيُعْرِبَ
عَنْهُ نَاطِقٌ بِفَمِ
لَوْ
نَاسَبَتْ قَدْرَهُ آيَاتُهُ عِظَمًا أَحْيَا
أسْمُهُ حِينَ يُدْعَى دَارِسَ الرِّمَمِ
لَمْ
يَمْتَحِنَّا بِمَا تَعْيَا العُقُولُ بِهِ حِرْصًا
عَلَيْنَا فَلَمْ نَرْتَبْ وَلَمْ نَهِمْ
أَعْيَا
الوَرَى فَهْمُ مَعْنَاهُ فَلَيْسَ يُرَى فيِ
القُرْبِ وَالْبُعْدِ فِيهِ غَيْرُ مُنْفَحِمِ
كَالشَّمْسِ
تَظْهَرُ لِلْعَيْنَيْنِ مِنْ بُعُدٍ صَغِيرَةً
وَتُكِلُّ الطَّرْفَ مِنْ أَمَمِ
وَكَيْفَ
يُدْرِكُ فيِ الدُّنْيَا حَقِيقَتَهُ قَوْمٌ
نِيَامٌ تَسَلَّوْا عَنْهُ بِالحُلُمِ
فَمَبْلَغُ
العِلْمِ فِيهِ أَنَّهُ بَشَرٌ وَأَنَّهُ
خَيْرُ خَلْقِ اللهِ كُلِّهِمِ
وَكُلُّ
آيٍ أَتَى الرُّسْلُ الكِرَامُ بِهَا فَإِنَّمَا
اتَّصَلَتْ مِنْ نُوِرِهِ بِهِمِ
فَإِنَّهُ
شَمْسُ فَضْلٍ هُمْ كَوَاكِبُهَا يُظْهِرْنَ
أَنْوَارُهاَ لِلنَّاسِ فيِ الظُّلَمِ
أَكْرِمْ
بِخَلْقِ نَبِيٍ زَانَهُ خُلُقٌ بِالحُسْنِ
مُشْتَمِلٍ بِالبِشْرِ مُتَّسِمِ
كَالزَّهْرِ
فيِ تَرَفٍ وَالبَدْرِ فيِ شَرَفٍ وَالبَحْرِ
فيِ كَرَمٍ وَالدَّهْرِ فيِ هِمَمِ
كَأَنَّه
وَهُوَ فَرْدٌ مِنْ جَلاَلَتِهِ فيِ
عَسْكِرٍ حِينَ تَلَقَاهُ وَفيِ حَشَمِ
كَأَنَّمَا
اللُّؤْلُؤْ المَكْنُونُ فيِ صَدَفٍ مِنْ
مَعْدِنَيْ مَنْطِقٍ مِنْهُ وَمْبَتَسَمِ
لاَ
طِيبَ يَعْدِلُ تُرْبًا ضَمَّ أَعْظُمَهُ طُوبىَ
لِمُنْتَشِقٍ مِنْهُ وَمُلْتَثِمِ
الفصل
الرابع: في مدح مولده
أَبَانَ
مَوْلِدُهُ عَنْ طِيبِ عُنْصُرِهِ يَا
طِيبَ مُبْتَدَإٍ مِنْهُ وَمُخْتَتَمِ
يَوْمٌ
تَفَرَّسَ فِيهِ الفُرْسُ أَنَّهُمُ قَدْ
أُنْذِرُوا بِحُلُولِ البُؤْسِ وَالنِّقَمِ
وَبَاتَ
إِيوَانُ كِسْرَى وَهُوَ مُنْصَدِعٌ كَشَمْلِ
أَصْحَابِ كِسْرَى غَيْرَ مُلْتَئِمِ
وَالنَّارُ
خَامِدَةُ الأَنْفَاسِ مِنْ أَسَفٍ عَلَيْهِ
وَالنَّهْرُ سَاهِي العَيْنَ مِنْ سَدَمِ
وَسَاءَ
سَاوَةَ أَنْ غَاضَتْ بُحَيْرَتُهَا وَرُدَّ
وَارِدُهَا بِالغَيْظِ حِينَ ظَميِ
كَأَنَّ
بِالنَّارِ مَا بِالمَاءِ مِنْ بَلَلٍ حُزْنًا
وَبِالمَاءِ مَا بِالنَّارِ مِنْ ضَرَمِ
وَالجِنُّ
تَهْتِفُ وَالأَنْوَارُ سَاطِعَةٌ وَالحَّقُ
يَظْهَرُ مِنْ مَعْنىً وَمِنْ كَلِمِ
عَمُوا
وَصَمُّوا فَإِعْلاَنُ البَشَائِرِ لَمْ يُسْمَعْ
وَبَارِقَةُ الإِنْذَارِ لَمْ تُشَمِ
مِنْ
بَعْدِ مَا أَخْبَرَ الأَقْوَامَ كَاهِنُهُمْ بِأَنَّ
دِينَهُمُ المِعْوَجَّ لَمْ يَقُمِ
وَبَعْدَمَا
عَايَنُوا فيِ الأُفْقِ مِنْ شُهُبٍ مُنْقَضَّةٍ
وِفْقَ مَا فيِ الأَرْضَ مِنْ صَنَمِ
حَتَّى
غَدَا عَنْ طَرِيقِ الْوَحْيِ مُنْهَزْمٌ مِنَ
الشَّيَاطِينِ يَقْفُوا إِثْرَ مُنْهَزِمِ
كَأَنَّهُمْ
هَرَبًا أَبْطَالُ أَبْرَهَةٍ أَوْ
عَسْكَرٍ بِالحَصَى مِنْ رَاحَتَيْهِ رُمِي
نَبْذًا
بِهِ بَعْدَ تَسْبِيحٍ بِبَطْنِهِمَا نَبْذَ
المُسَبِّحِ مِنْ أَحْشَاءِ مُلْتَقِمِ

No comments:
Post a Comment