Thursday, 29 February 2024

عبد الرحمن شكري

 

 
عبد الرحمن شكري
(١٨٨٦ - ١٩٥٨)
 
تعريفه ومولده: 
هو عبد الرحمن شكري من كبار الشعراء للعصر الحديث، وثالث ثلاثة من أعمدة مدرسة الديوان. وُلد في مدينة بورسعيد إحدى مدن مصر في 12 من أكتوبر عام 1886م.
 
نشأته وتعليمه:
تعلّم في كتّاب الشيخ محمد حجازي ثم في مدرسة الجامع التوفيقي الابتدائية، وحصل منها على الشهادة عام 1900، ثم التحق بمدرسة رأس التبن الثانوية بالإسكندرية، ومنها حصل على شهادة البكالوريا عام 1904. ثم التحق بمدرسة المعلمين العليا وتخرج فيها عام 1909 وكان متفوقاً، ولاسيما في اللغة الإنجليزية، فتمّ اختياره في بعثة إلى جامعة شيفلد بإنجلترا، فدرس فيها خلال ثلاث سنوات الاقتصاد والاجتماع والتاريخ والفلسفة إلى جانب اللغة الإنجليزية، وعاد منها عام 1912.
 
اشتغالاته ووفاته:
وبعد عودته من إنجلترا عُيّن بالتعليم الثانوي مدرساً للتاريخ واللغة الإنجليزية والترجمة ثم ناظراً ثم مفتشاً إلى سنة 1938، فقضى حوالي ستة وعشرين عاماً في خدمة التربية والتعليم في مصر. ولمّا نظم قصيدة أقوام بادوا غضب رؤساؤه عليه وصاروا يحرضون عليه، فخرج إلى المعاش بمرتب بسيط لا يكفيه ولا يكفي من يعولهم من أسرة شقيقه، وهذا ما جعله يعيش بلا زواج. ولمّا يئس من عدالة الناس أحرق جميع ما لديه من نسخ مؤلفاته ودواوينه، وأصيب بضغط الدم ثم بالشلل الذي جعله يعتزل الناس والحياة حتى انتقل إلى جوار ربه في الإسكندرية يوم الاثنين 25 ديسمبر سنة 1958.
 
شكري الناقد:
هو ثالث أعمدة مدرسة الديوان التي وضعت مفهوماً جديداً للشعر في أوائل القرن الماضي، حتى يرى البعض أنه هو رأسها وعقلها وروحها. ويقول الدكتور مختار الوكيل: "إن شكري هو رائد مدرسة الديوان. فقد كان مبشراً بفكرتها، ملتزماً قيمها، مجسداً لعملها". ويرى أن الشعر هو ضرورة وليس ترفاً، لأنه يصور الحياة الإنسانية بخيرها وشرها كما يعبر عن خوالج النفس البشرية. ويرى أن للشعر عناصر، أهمها التصوير والخيال والعاطفة والفكرة، ورفض المبالغة والمغالطة فيه.
 
شكري الشاعر: 
يقول العقاد عنه: "هو من أسبق المتقدمين إلى توحيد بنية القصيدة وإلى التصرف في القافية على أنواع التصرف المقبول، فنظم القصيدة من وزن ومقطوعات متعددة القوافي ونظمها مزدوجات وأبياتاً من بحر واحد بغير قافية ملتزمة." واهتم بالإصلاح الاجتماعي فعالج بعض المشاكل الاجتماعية في قصائده، مثل مشكلة الطفولة وما يصيب الطفل من يتم ومرض، كما اهتم بمشكلة الجهل والفقر، يقول في قصيدة اليتيم: 
وما اليُتم إلا غربة ومهانة      وأي قريب لليتيم قريب؟ 
 
وكان يرى أن جمال الحياة إنما هو هبة العباقرة والمصلحين الذين لهم الفضل في تغيير مجرى تاريخ البشرية. يقول في قصيدة مصارع النجباء: 
إن الحياة جمالها وبهاؤها         هبة من النجباء والشهداء
 
وكان يعشق الحرية، حتى بلغ من تمجيده للحرية أن أعلن أن خطأ الأحرار أفضل من إصابة العبيد، يقول:
إذا ما أصاب العبد في بعض فعله        فما الفضل إلا للذي هو آمره
وإن أخطأ الحر الأبي فإنه        لأفضل من عبد تهون مصادره


كتبه: عبد المتين وسيم الدين

أبو محمد القاسم بن علي الحريري: سؤالا وجوابا

 


 
أبو محمد القاسم بن علي الحريري
(446 – 516 ه/ 1054 – 1122 م)

س: ما اسم الحريري؟
ج: أبو محمد القاسم بن علي بن محمد البصري.
س: أين ومتى ولد الحريري؟
ج: ولد بقرية المشان سنة 446 ه.
س: أين نشأ الحريري؟
ج: نشأ بالبصرة.
س: لماذا لقب بالحريري؟
ج: لقب بالحريري لأنه كان يبيع الحرير أو يصنعه.
س: ما هو أجيد آثار الحريري؟
ج: أجيد آثاره مقاماته.
س: كم مقامة كتب الحريري؟
ج: كتب خمسين مقامة.
س: من هو بطل مقامات الحريري؟
ج: بطل مقاماته أبو زيد السروجي.
س: من هو راوي مقامات الحريري؟
ج: راوي مقاماته الحارث بن همام.
س: من أشار على الحريري أن يضم على المقامة سواها حتى أتمها الحريري خمسين؟
ج: شرف الدين وزير المسترشد بالله.
س: على أي منوال نسج الحريري مقاماته؟
ج: نسجها على منوال بديع الزمان الهمذاني.
س:       لا تقعدن على ضرو مسغبة              لكي يقال عزيز النفس مصطبر
           وانطر بعينيك هل أرض معطلة        من النبات  كأرض حفها الشجر 
- لمن هذه الأبيات؟
ج: للحريري.
س: ما هي أهم مؤلفات الحريري؟
ج: أهم مؤلفاته: كتاب درة الغواص في أوهام الخواص (في النقد)، كتاب ملحة الاعراب في النحو، ديوان رسائل، المقامات وهي أجود آثاره
- عبد المتين وسيم الدين

Wednesday, 28 February 2024

علم الصرف: الفعل الثلاثي المجرد وأوزانه

 

 

الفعل الثلاثي المجرد وأوزانه

 

الفعل الثّلاثي المجرد:

هو كلّ فعل فيه ثلاثة حروف أصليّة. مثلا:

رسم – شرب – نصر – وعد

(رسم مثلا هو فعل ثلاثيّ مجرّد تكوّن من الحروف الثّلاثة الرّاء والسّين والميم)

 

أوزان المجرد الثلاثي:

للفعل المجرد الثلاثي باعتبار صورة الماضي ثلاثة أوزان، ويرجع هذا التحديد إلى أن الفعل الماضي المكّون من ثلاثة أحرف أصلية وهي: الفاء، والعين، واللام. فـلا تكون فاؤه ولامه إلا متحركتين بالفتح دائما، أما عينه فتتحرك بالحركات الثلاث:

بالفتح: فَعَلَ: لَمَعَ – رَحَلَ – سَكَتَ

بالكسر: فَعِـل: سَمِعَ – فَهِمَ – غَضـِبَ

بالضم: فَعُـلَ: كَثُرَ – حَسُنَ – بَعُـدَ  

 

أما إذا نظرنا إلى الفعل باعتبار المضارع نجد له أيضا ثلاثة أوزان؛ لأنه لا يتحرك إلا عينه. وهي تتحرك بالحركات الثلاث:  

بالفتح: يَـفْـعَـلُ: يـَذْهــَبَ – يفتَح  

بالضم: يَفْعُلُ: يَكْتُبُ – ينصُر

بالكسرة: يَفْـعِــلُ: يَجْلِسُ – يضرِبُ

 

أما إذا نظرنا إلى الفعل باعتبار صورتي الماضي والمضارع معا فإننا نجد له تسعة أوزان، منها ستة شائعة على النحو التالي:

 

 

فعَل

يفعُل

نصر ينصر – قال يقول – دعا يدعو

يفعَل

فتح يفتح – قرأ يقرأ – سأل يسأل

يفعِل

ضرب يضرب – وعد يعد – رمى يرمي – باع يبيع

 

فعُل

يفعُل

كرم يكرم – شرف يشرف

يفعَل

xxxxxx

يفعِل

xxxxxx

 

فعِل

يفعَل

سمع يسمع – خشي يخشى – نام ينام

يفعِل

حسب يحسب – ورث يرث

يفعُل

xxxxxx

 الإعداد: عبد المتين وسيم الدين

علم الصرف - اسم الظرف (اسم الزمان والمكان) وصياغته

 


 
اسم الظرف وصياغته

ويسمى اسم الزمان واسم المكان، وهما اسمان يصاغان للدلالة على زمن وقوع الفعل ومكان وقوعه، وكلاهما مبدوءان بميم زائدة.
 
صياغة اسم الزمان والمكان من الفعل الثلاثي المجرد:
أ – يصاغان من الفعل الثلاثي المجرد على وزن مَفعِل إذا كان الفعل صحيحا وعينه مكسورة في المضارع، أو إذا كان الفعل فاؤه واو، أو عينه ياء. أمثلة: مسجِدٌ – مجلِسٌ – موعِدٌ – مبيعٌ.
 
ب – ويصاغ فيما عدا هذه الأحوال كلا من اسم الزمان واسم المكان على وزن مَفعَل. مثلا: مقامٌ.
 
صياغة اسم الزمان والمكان من الفعل غير الثلاثي المجرد:
ويصاغ من الفعل غير الثلاثي على وزن اسم المفعول منه. أمثلة: استقبل – مستقبل، سافر – مسافر، انتظر – منتظر.
- عبد المتين وسيم الدين 

علم الصرف - اسم الآلة وصياغته

 


 
اسم الآلة وصياغته

هو اسم مشتق يدل على الآلة أو ما وقع الفعل بواسطته. مثلا: مفتاح هو ما يفتح به.
 
أوزان اسم الآلة:
وللاسم الآلة أوزان يصاغ عليها:

1- مِفعَل، مثلا: مِنجَل - مِبرَد
 
2- مِفعَلة، مثلا: مِمسحة – مطرقة
 
3- مِفعال، مثلا: مفتاح - مِسبار
 
4- فعّالة، مثلا: غسّالة – ثلاجة.

- عبد المتين وسيم الدين

Saturday, 17 February 2024

في الرثاء – إبراهيم عبد القادر المازني

 

في الرثاء – إبراهيم عبد القادر المازني 


قصيدة قلتها في نفسي على لسان آخر، وسألت صاحبًا لي أن يرثيني بمثلها.


قَـضَـى غَـيْـرَ مَأْسُـوفٍ عَلَيْهِ مِنَ الْوَرَى     فَـتًـى غَـرَّهُ فِـي الْـعَـيْشِ نَظْمُ الْقَصَائِدِ

لَــقَــدْ كَــانَ كَــذَّابًــا وَكَــانَ مُــنَــافِــقًـا           وَكَــانَ لَــئِـيـمَ الـطَّـبْـعِ نَـزْرَ الْـمَـحَـامِـدِ

وَكَـانَ خَـبِـيـثَ الـنَّـفْـسِ كَـالنَّاسِ كُلِّهِمْ        جَـبَـانًـا قَـلِـيـلَ الْـخَـيْـرِ جَـمَّ الْـحَـقَـائِدِ

وَقَـدْ كَـانَ مَـجْـنُـونًـا تُـضَـاحِـكُهُ الْمُنَى        وَفِــي رِيـقِـهَـا سُـمُّ الـصِّـلَالِ الـشَّـوَارِدِ

فَـعَـاشَ وَمَـا وَاسَـاهُ فِـي الْعَيْشِ وَاحِدٌ        وَمَــاتَ وَلَــمْ يَــحْـفِـلْ بِـهِ غَـيْـرُ وَاحِـدِ

وَجَــاءَ إِلَــى الـدُّنْـيَـا عَـلَـى رَغْـمِ أَنْـفِـهِ          وَرَاحَ عَــلَــى كُــرْهِ الْأَمَــانِـي الـشَّـوَارِدِ

أَرَادَ خُــلُــودَ الـذِّكْـرِ فِـي الْأَرْضِ ضِـلَّـةً       فَأَوْرَدَهُ الـــنِّـــسْـــيَـــانُ مُــرَّ الْــمَــوَارِدِ

وَلَـــمْ يَـــبْـــكِـــهِ إِذْ مَــاتَ إِلَّا أَجِــيــرَةٌ            لَــهَــا زَفْــرَةٌ لَـوْلَا الـلُّـهَـى لَـمْ تَـصَـاعَـدِ

فَــلَا دَمْــعَ يَــرْوِي يَــوْمَ وَلَّــى تُــرَابَــهُ           وَكَــيْــفَ يُــرَوِّي تُــرْبَــهُ غَــيْــرُ وَاجِــدِ

فَــلَا تَــنْــدُبُــوهُ إِنَّــهُ لَــيْــسَ بِــالْأَسَـى            حَــقِــيـقًـا وَلَا أَهْـلَ الْـهُـمُـومِ الْـعَـوَائِـدِ

وَخَــلُّــوهُ لِــلــدِّيــدَانِ تَأْكُــلُ لَــحْــمَــهُ             وَذَاكَ لَــعَــمْــرِي خَــطْـبُ كُـلِّ الْـبَـوَائِـدِ

وَلَا تُـزْعِـجُـوا الـدِّيـدَانَ بِـالـنَّـدْبِ إِنَّـهَـا          هَــدِيٌّ لِــمَـنْ تَـطْـوِيـهِ سُـودُ الْـمَـلَاحِـدِ

وَقُومُوا ارْقُصُوا قَدْ فَازَ بِالْمَوْتِ مُوجَعٌ      بَــلَــى رُبَّـمَـا كَـانَ الـرَّدَى خَـيْـرَ ضَـامِـدِ

 [ ديوان المازني: 257 ]


Thursday, 15 February 2024

عاقبة الحسد - الشرواني


 
عاقبة الحسد
 
قيل إن رجلاً من العرب دخل على الخليفة المعتصم فقربه وأدناه وجعله نديمة وصار يدخل على حريمه من غير استئذان. وكان له وزير كثير الحسد فغار من البدوي وحسده. وقال في نفسه: لا بد من مكيدة على هذا البدوي فإنه أخذ بقلب أمير المؤمنين وأبعدني منه. فصار يتلطف بالبدوي حتى أتى به إلى منزله فصنع له طعاماً وأكثر فيه من الثوم. فلما أكل البدوي منه، قال له: احذر أن تقرب من أمير المؤمنين، فيشم منك رائحة الثوم فيتأذى من ذلك فإنه يكره رائحته.
 
ثم ذهب الوزير إلى الخليفة، فخلا به وقال: يا أمير المؤمنين إن البدوي يقول عنك للناس إن أمير المؤمنين أبخر (وهلكت من رائحة فمه). فلما أتى البدوي طلبه المعتصم، فلما قرب منه جعل كمّه على فمه مخافة أن يشم أمير المؤمنين منه رائحة الثوم. فلما رآه أمير المؤمنين وهو يستر فمه بكمّه، قال في نفسه إن الذي قاله الوزير عن البدوي صحيح، فكتب كتاباً إلى بعض عمّاله يقول فيه: إذا وصل إليك كتابي هذا فاضرب رقبة حامله. ثم دعا البدوي ودفع إليه الكتاب وقال له: امض به إلى فلان وائتني بالجواب سريعا.
 
فامتثل البدوي ما رسم به الخليفة وأخذ الكتاب وخرج به من عنده، فبينما هو بالباب إذ لقيه الوزير فقال له: أين تريد؟ قال البدوي: أتوجه بكتاب أمير المؤمنين إلى عامله فلان. فقال الوزير في نفسه إن هذا البدوي ينال من التقليد مالا جزيلا. فقال له: ما تقول فيمن يريحك من هذا التعب الذي يلحقك في سفرك ويعطيك ألفي دينار؟ فقال له البدوي: أنت الكبير وأنت الحاكم ومهما رأيته من الرأي افعل. فقال الوزير: أعطني (هات) الكتاب. فدفعه إليه وأعطاه الوزير ألفي دينار فركب وسار بالكتاب إلى المكان الذي هو قاصده. فلما قرأ العامل الكتاب أمر بضرب عنقه.
 
وبعد أيام تذكر الخليفة أمر البدوي وسأل عن الوزير. فأُخبر بأن له أياماً ما ظهر وأن البدوي بالمدينة مقيم. فتعجب الخليفة من ذلك وأمر بإحضار البدوي، فحضر فسأله عن حاله. فأخبره بالقصة التي اتفقت له مع الوزير من أولها إلى آخرها. فقال له الخليفة: أنت قلت عني للناس إني أبخر، (فأحس البدوي بمكر الوزير) فقال: معاذ الله يا أمير المؤمنين، كيف أتحدث بما ليس لي به علم، وإنما كان ذلك مكراً منه وخديعة (وحسداً)، وأعلمه كيف دخل به إلى بيته وأطعمه الثوم وما جرى له معه.
 
فقال الخليفة المعتصم: قاتل الله الحسد ما أعدله بدأ بصاحبه فقتله، ثم خلع على البدوي واتخذه وزيراً وراح الوزير بحسده.
[ نفحة اليمن فيما يزول بذكره الشجن للشرواني ]

Tuesday, 13 February 2024

إسلام أبي ذر رضي الله عنه


إسلام أبي ذر رضي الله عنه

 

قالَ لَنَا ابنُ عَبَّاسٍ: ألَا أُخْبِرُكُمْ بإسْلَامِ أبِي ذَرٍّ؟ قالَ: قُلْنَا بَلَى، قالَ: قالَ أبو ذَرٍّ: كُنْتُ رَجُلًا مِن غِفَارٍ، فَبَلَغَنَا أنَّ رَجُلًا قدْ خَرَجَ بمَكَّةَ يَزْعُمُ أنَّه نَبِيٌّ، فَقُلتُ لأخِي: انْطَلِقْ إلى هذا الرَّجُلِ كَلِّمْهُ وأْتِنِي بخَبَرِهِ، فَانْطَلَقَ فَلَقِيَهُ، ثُمَّ رَجَعَ، فَقُلتُ ما عِنْدَكَ؟ فَقالَ: واللَّهِ لقَدْ رَأَيْتُ رَجُلًا يَأْمُرُ بالخَيْرِ ويَنْهَى عَنِ الشَّرِّ، فَقُلتُ له: لَمْ تَشْفِنِي مِنَ الخَبَرِ، فأخَذْتُ جِرَابًا وعَصًا، ثُمَّ أقْبَلْتُ إلى مَكَّةَ، فَجَعَلْتُ لا أعْرِفُهُ، وأَكْرَهُ أنْ أسْأَلَ عنْه، وأَشْرَبُ مِن مَاءِ زَمْزَمَ وأَكُونُ في المَسْجِدِ، قالَ: فَمَرَّ بي عَلِيٌّ فَقالَ: كَأنَّ الرَّجُلَ غَرِيبٌ؟ قالَ: قُلتُ: نَعَمْ، قالَ: فَانْطَلِقْ إلى المَنْزِلِ، قالَ: فَانْطَلَقْتُ معهُ، لا يَسْأَلُنِي عن شيءٍ ولَا أُخْبِرُهُ، فَلَمَّا أصْبَحْتُ غَدَوْتُ إلى المَسْجِدِ لأسْأَلَ عنْه، وليسَ أحَدٌ يُخْبِرُنِي عنْه بشيءٍ، قالَ: فَمَرَّ بي عَلِيٌّ، فَقالَ: أما نَالَ لِلرَّجُلِ يَعْرِفُ مَنْزِلَهُ بَعْدُ؟ قالَ: قُلتُ: لَا، قالَ: انْطَلِقْ مَعِي، قالَ: فَقالَ ما أمْرُكَ، وما أقْدَمَكَ هذِه البَلْدَةَ؟ قالَ: قُلتُ له: إنْ كَتَمْتَ عَلَيَّ أخْبَرْتُكَ، قالَ: فإنِّي أفْعَلُ، قالَ: قُلتُ له: بَلَغَنَا أنَّه قدْ خَرَجَ هَا هُنَا رَجُلٌ يَزْعُمُ أنَّه نَبِيٌّ، فأرْسَلْتُ أخِي لِيُكَلِّمَهُ، فَرَجَعَ ولَمْ يَشْفِنِي مِنَ الخَبَرِ، فأرَدْتُ أنْ ألْقَاهُ، فَقالَ له: أما إنَّكَ قدْ رَشَدْتَ، هذا وجْهِي إلَيْهِ فَاتَّبِعْنِي، ادْخُلْ حَيْثُ أدْخُلُ، فإنِّي إنْ رَأَيْتُ أحَدًا أخَافُهُ عَلَيْكَ، قُمْتُ إلى الحَائِطِ كَأَنِّي أُصْلِحُ نَعْلِي وامْضِ أنْتَ، فَمَضَى ومَضَيْتُ معهُ، حتَّى دَخَلَ ودَخَلْتُ معهُ علَى النبيِّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، فَقُلتُ له: اعْرِضْ عَلَيَّ الإسْلَامَ، فَعَرَضَهُ فأسْلَمْتُ مَكَانِي، فَقالَ لِي: يا أبَا ذَرٍّ، اكْتُمْ هذا الأمْرَ، وارْجِعْ إلى بَلَدِكَ، فَإِذَا بَلَغَكَ ظُهُورُنَا فأقْبِلْ فَقُلتُ: والذي بَعَثَكَ بالحَقِّ، لَأَصْرُخَنَّ بهَا بيْنَ أظْهُرِهِمْ، فَجَاءَ إلى المَسْجِدِ وقُرَيْشٌ فِيهِ، فَقالَ: يا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ، إنِّي أشْهَدُ أنْ لا إلَهَ إلَّا اللَّهُ، وأَشْهَدُ أنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ ورَسولُهُ، فَقالوا: قُومُوا إلى هذا الصَّابِئِ، فَقَامُوا فَضُرِبْتُ لأمُوتَ، فأدْرَكَنِي العَبَّاسُ فأكَبَّ عَلَيَّ، ثُمَّ أقْبَلَ عليهم، فَقالَ: ويْلَكُمْ، تَقْتُلُونَ رَجُلًا مِن غِفَارَ، ومَتْجَرُكُمْ ومَمَرُّكُمْ علَى غِفَارَ، فأقْلَعُوا عَنِّي، فَلَمَّا أنْ أصْبَحْتُ الغَدَ رَجَعْتُ، فَقُلتُ مِثْلَ ما قُلتُ بالأمْسِ، فَقالوا: قُومُوا إلى هذا الصَّابِئِ فَصُنِعَ بي مِثْلَ ما صُنِعَ بالأمْسِ، وأَدْرَكَنِي العَبَّاسُ فأكَبَّ عَلَيَّ، وقالَ مِثْلَ مَقالتِهِ بالأمْسِ، قالَ: فَكانَ هذا أوَّلَ إسْلَامِ أبِي ذَرٍّ رَحِمَهُ اللَّهُ.

 

[ صحيح البخاري 3522، صحيح مسلم 2474 ]

Thursday, 8 February 2024

الرسالة بين زبيدة والمأمون


 
الرسالة بين زبيدة والمأمون
 
كتبت السيدة زبيدة  إلى المامون بعد قتل ابنها الأمين:
كل ذنب يا أمير المؤمنين - وإن عَظُمَ - صغيرٌ في جنب عفوك، وكل زلل - وإن جل - حقير عند صفحك، وذلك الذي عودك الله، فأطال مدتك، وتمم نعمتك، وأدام بك الخير، ورفع بك الشر، هذه رقعة الوالهِ[1]، التي ترجوك في الحياة لنوائب الدهر[2]، وفي الممات لجميلِ الذكرِ، فإن رأيتَ أن ترحَمَ ضعفي واستكانتي[3] وقلة حيلتي، وأن تَصِلَ رَحِمي[4]، وتحتسب[5] فيما جعلك الله له طالبًا، وفيه راغبًا - فافعَلْ وتذكر مَن لو كان حيًّا لكان شفيعي إليك.
 
فلما وقف المأمون عليها بكى على أخيه الأمين ورق لها فكتب إليها:
وصلتْ رقعتُك يا أماه، أحاطكِ الله، وتولاكِ بالرعاية[6]، ووقفتُ عليها، وساءني - شهد الله - [7]جميعُ ما أوضحتِ فيها، لكن الأقدار نافذة[8]، والأحكام جارية، والأمور متصرفة، والمخلوقون في قبضتها لا يقدرون على دفاعها[9]، والدنيا كلها إلى شتات[10]، وكل حي إلى ممات، والغدر والبغي حَتْفُ الإنسان[11]، والمكر راجع إلى صاحبه، وقد أمرتُ برد جميع ما أخذ لك، ولم تفقدي ممن مضى إلى رحمة الله إلا وجهَه، وأنا بعد ذلك لك على أكثرَ مما تختارين[12]، والسلام.

[1]  الواله والوالهة والولهى: الشديدة الحزن والجزع على فقد ولدها.
[2]  ما يصيب الإنسان من المصائب.
[3]  خضوعي وذلي
[4]  تؤدي حقوق قرابتي
[5]  تحتسب؛ أي: تعتد أجرًا عند الله
[6]  حفظك الله وصانك برعايته
[7]  جملة معترضة يقصد بها تأكيد ما يقول
[8]  ما قدر الله لا بد أن يكون
[9]  إن المخلوقات مستسلمة لأحكام الله وأقداره
[10]  مآلها التفرق
[11]  إن البغيَ فيه هلاك الباغي
[12]  أقوم لك بجميع ما تحبين وزيادة