Thursday, 8 February 2024

الرسالة بين زبيدة والمأمون


 
الرسالة بين زبيدة والمأمون
 
كتبت السيدة زبيدة  إلى المامون بعد قتل ابنها الأمين:
كل ذنب يا أمير المؤمنين - وإن عَظُمَ - صغيرٌ في جنب عفوك، وكل زلل - وإن جل - حقير عند صفحك، وذلك الذي عودك الله، فأطال مدتك، وتمم نعمتك، وأدام بك الخير، ورفع بك الشر، هذه رقعة الوالهِ[1]، التي ترجوك في الحياة لنوائب الدهر[2]، وفي الممات لجميلِ الذكرِ، فإن رأيتَ أن ترحَمَ ضعفي واستكانتي[3] وقلة حيلتي، وأن تَصِلَ رَحِمي[4]، وتحتسب[5] فيما جعلك الله له طالبًا، وفيه راغبًا - فافعَلْ وتذكر مَن لو كان حيًّا لكان شفيعي إليك.
 
فلما وقف المأمون عليها بكى على أخيه الأمين ورق لها فكتب إليها:
وصلتْ رقعتُك يا أماه، أحاطكِ الله، وتولاكِ بالرعاية[6]، ووقفتُ عليها، وساءني - شهد الله - [7]جميعُ ما أوضحتِ فيها، لكن الأقدار نافذة[8]، والأحكام جارية، والأمور متصرفة، والمخلوقون في قبضتها لا يقدرون على دفاعها[9]، والدنيا كلها إلى شتات[10]، وكل حي إلى ممات، والغدر والبغي حَتْفُ الإنسان[11]، والمكر راجع إلى صاحبه، وقد أمرتُ برد جميع ما أخذ لك، ولم تفقدي ممن مضى إلى رحمة الله إلا وجهَه، وأنا بعد ذلك لك على أكثرَ مما تختارين[12]، والسلام.

[1]  الواله والوالهة والولهى: الشديدة الحزن والجزع على فقد ولدها.
[2]  ما يصيب الإنسان من المصائب.
[3]  خضوعي وذلي
[4]  تؤدي حقوق قرابتي
[5]  تحتسب؛ أي: تعتد أجرًا عند الله
[6]  حفظك الله وصانك برعايته
[7]  جملة معترضة يقصد بها تأكيد ما يقول
[8]  ما قدر الله لا بد أن يكون
[9]  إن المخلوقات مستسلمة لأحكام الله وأقداره
[10]  مآلها التفرق
[11]  إن البغيَ فيه هلاك الباغي
[12]  أقوم لك بجميع ما تحبين وزيادة


No comments:

Post a Comment