Thursday, 15 February 2024

عاقبة الحسد - الشرواني


 
عاقبة الحسد
 
قيل إن رجلاً من العرب دخل على الخليفة المعتصم فقربه وأدناه وجعله نديمة وصار يدخل على حريمه من غير استئذان. وكان له وزير كثير الحسد فغار من البدوي وحسده. وقال في نفسه: لا بد من مكيدة على هذا البدوي فإنه أخذ بقلب أمير المؤمنين وأبعدني منه. فصار يتلطف بالبدوي حتى أتى به إلى منزله فصنع له طعاماً وأكثر فيه من الثوم. فلما أكل البدوي منه، قال له: احذر أن تقرب من أمير المؤمنين، فيشم منك رائحة الثوم فيتأذى من ذلك فإنه يكره رائحته.
 
ثم ذهب الوزير إلى الخليفة، فخلا به وقال: يا أمير المؤمنين إن البدوي يقول عنك للناس إن أمير المؤمنين أبخر (وهلكت من رائحة فمه). فلما أتى البدوي طلبه المعتصم، فلما قرب منه جعل كمّه على فمه مخافة أن يشم أمير المؤمنين منه رائحة الثوم. فلما رآه أمير المؤمنين وهو يستر فمه بكمّه، قال في نفسه إن الذي قاله الوزير عن البدوي صحيح، فكتب كتاباً إلى بعض عمّاله يقول فيه: إذا وصل إليك كتابي هذا فاضرب رقبة حامله. ثم دعا البدوي ودفع إليه الكتاب وقال له: امض به إلى فلان وائتني بالجواب سريعا.
 
فامتثل البدوي ما رسم به الخليفة وأخذ الكتاب وخرج به من عنده، فبينما هو بالباب إذ لقيه الوزير فقال له: أين تريد؟ قال البدوي: أتوجه بكتاب أمير المؤمنين إلى عامله فلان. فقال الوزير في نفسه إن هذا البدوي ينال من التقليد مالا جزيلا. فقال له: ما تقول فيمن يريحك من هذا التعب الذي يلحقك في سفرك ويعطيك ألفي دينار؟ فقال له البدوي: أنت الكبير وأنت الحاكم ومهما رأيته من الرأي افعل. فقال الوزير: أعطني (هات) الكتاب. فدفعه إليه وأعطاه الوزير ألفي دينار فركب وسار بالكتاب إلى المكان الذي هو قاصده. فلما قرأ العامل الكتاب أمر بضرب عنقه.
 
وبعد أيام تذكر الخليفة أمر البدوي وسأل عن الوزير. فأُخبر بأن له أياماً ما ظهر وأن البدوي بالمدينة مقيم. فتعجب الخليفة من ذلك وأمر بإحضار البدوي، فحضر فسأله عن حاله. فأخبره بالقصة التي اتفقت له مع الوزير من أولها إلى آخرها. فقال له الخليفة: أنت قلت عني للناس إني أبخر، (فأحس البدوي بمكر الوزير) فقال: معاذ الله يا أمير المؤمنين، كيف أتحدث بما ليس لي به علم، وإنما كان ذلك مكراً منه وخديعة (وحسداً)، وأعلمه كيف دخل به إلى بيته وأطعمه الثوم وما جرى له معه.
 
فقال الخليفة المعتصم: قاتل الله الحسد ما أعدله بدأ بصاحبه فقتله، ثم خلع على البدوي واتخذه وزيراً وراح الوزير بحسده.
[ نفحة اليمن فيما يزول بذكره الشجن للشرواني ]

1 comment: